ابن عربي

26

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )

الفصل الثاني في معرفة تلك المفاتيح وتمييزها اعلم أيها الأخ أن المفاتيح الغيبية تنحصر في خمس مفاتيح لا غير ، منها مفتاحين عظيمين شريفين هما أعظم المفاتيح . . المفتاح الأول منها هو الوحي بواسطة الملك للأنبياء والمرسلين وقد سدّ بابه مكلفا بخاتم المرسلين محمد المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله : « أنا لبنة التمام » « 1 » . والمفتاح الثاني الإلهام الروحي وهو لكل الورثة إذا بلغوا مقام التمكين الكلي وشروطه معلومة لهم ، وما عدا هذين المفتاحين ينقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول يؤخذ من الأحاديث النبوية والإخبارات المصطفوية التي أخبر بها المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في عقود حديثه ، وأسرّ بها إلى خواص أصحابه رضي اللّه عنهم كسيدنا الإمام علي رضي اللّه عنه وأضرابه من الصحابة ، وهي كثيرة جدا قد دوّنوها دواوين وأتقنوها غاية الإتقان ، وقد استنبطوا منها جملة من العلوم السرية بحسب الوقت والقابل ، فأول من شرح مضمونها وأظهر مكنونها سيدنا علي رضي اللّه عنه وسماها بالجفر الجامع وجعل الابتداء من وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لكون باب الاختلاف كان مقفولا في أيام حياته ، وفتح حين قالت فيه الأنصار منا أمير ومنكم أمير ، وقفله الاتفاق على بيعة الصديق رضي اللّه عنه وفي النفوس ما فيها حتى أفضى الأمر إلى قتل الخلفاء الثلاثة وكان ما كان وقصتهم مشهورة ، ثم هذا العلم ينفرد به الواحد من بعد الإمام علي رضي اللّه عنه إلى يومنا هذا وإلى آخر وقت ، وهذا القسم الأول من الثلاثة أقسام التي ذكرناها . القسم الثاني هو معرفة حركات الأفلاك وأحكام الكواكب السبعة المسخرة المرتبة في مراتبها ، ومعرفة طلوعها في شروقها وغروبها واقترانها واجتماعها وافتراقها ومواصلتها

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم بلفظ : عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين » ( صحيح البخاري ، كتاب المناقب ، باب خاتم النبيين حديث رقم ( 3534 ) ، وصحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، باب ذكر كونه صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين ، حديث رقم 23 - ( 2287 ) ورواه غيرهما .